الجصاص
361
أحكام القرآن
بطلان الشهادة بعد الجلد حكم قائم بنفسه على وجه التأبيد المذكور في الآية غير موقوف على التوبة . فإن قيل : رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى منه إلى الفسق ، لأنه معلوم أن التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية فلا يكون رده إلى الفسق مفيدا ورده إلى الشهادة يفيد جوازها بالتوبة ، إذ كان جائزا أن تكون الشهادة مردودة مع وجود التوبة ، فأما بقاء سمة الفسق مع وجود التوبة فغير جائز في عقل ولا سمع إذ كانت سمة الفسق ذما وعقوبة ، وغير جائز أن يستحق التائب الذم ، وليس كذلك بطلان الشهادة ، ألا ترى أن العبد والأعمى غير جائزي الشهادة لا على وجه الذم والتعنيف لكن عبادة ؟ فكان رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى بإثبات فائدة الآية منه إلى الفسق . قيل أن التوبة المذكورة في هذه الآية أنما هي التوبة من القذف وإكذاب نفسه فيه ، لأنه به استحق سمة الفسق ، وقد كان جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم يكذب نفسه ، فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق عنه إذا أكذب نفسه . ووجه آخر ، وهو أن سمة الفسق إنما لزمته بوقوع الجلد به ولم يكن يمتنع عند إظهار التوبة أن لا تكون مقبولة في ظاهر الحال وإن كانت مقبولة عند الله ، لأنا لا نقف على حقيقة توبته ، فكان جائزا أن يتعبدنا بأن لا نصدقه على توبته وأن نتركه على الجملة ولا نتولاه على حسب ما نتولى سائر أهل التوبة ، فلما كان ذلك جائزا ورود العبادة به أفادتنا الآية قبول توبته ووجوب موالاته وتصديقه على ما ظهر من توبته . فإن قيل : لما اتفقنا على أن الذمي المحدود في القذف تقبل شهادته إذا أسلم وتاب ، دل ذلك من وجهين على قبول شهادة المسلم المحدود في القذف ، أحدهما : أنه قد ثبت أن الاستثناء راجع إلى بطلان الشهادة ، إذ كان الذمي مرادا بالآية ، وقد أريد به كون بطلان الشهادة موقوفا على التوبة . والثاني : أنه لما رفعت التوبة الحكم ببطلان شهادته كان المسلم في حكمه لوجود التوبة منه . قيل له : ليس الأمر فيه على ما ظننت ، وذلك لأن الذمي لم يدخل في الآية ، وذلك لأن الآية إنما اقتضت بطلان شهادة من جلد وحكم بفسقه من جهة القذف ، والذمي قد تقدمت له سمة الفسق ، فلما لم يستحق هذه السمة بالجلد لم يدخل في الآية وإنما جلدناه بالاتفاق ، ولم يحصل الاتفاق على بطلان شهادته بعد إسلامه بالجلد الواقع في حال كفره فأجزناها كما نجيز شهادة سائر الكفار إذا أسلموا . فإن قيل : فيجب على هذا أن لا يكون الفاسق من أهل الملة مرادا بالآية ، إذ لم يستحدث سمة الفسق بوقوع الحد به . قيل له : هو كذلك ، وإنما دخل في حكمها بالمعنى لا باللفظ ، وإنما أجاز أصحابنا شهادة الذمي المحدود في القذف بعد إسلامه